إلى سارة ..عن الخوف والوحدة ..والفقد .

Posted on الخميس، ديسمبر 05، 2019 by ريم وجيه


عزيزتي سارة
أود أن أحادثك اليوم عن الخوف يا سارة ، ليس الخوف العادي من حدث مؤذي ، بل تلك الشجرة الخبيثة من المخاوف التي ليس لها جذور ، إنما فروع و غصون تمتد حتى الحلقوم .
مات هيثم أحمد زكي ، ليفجع العالم برحيله ، وأظن قدر لا يستهان به من هذه الفجيعة ، إنما هو فجيعة في مدى الوحدة التي يمكن أن يصاب بها أي منهم.
يحتمي الناس من الوحدة بشتى الطرق ، ترعبهم الفكرة ، وتدفعهم أحيانًا لعلاقات مؤذية واستنزافية .
حسنًا ، جربت الوحدة يا سارة ، والعديد من احتمالاتها ،وليست مرعبة حقُا بصدق .
فكرة أن يموت المرء وحيدًا بلا أشخاص حوله ، تبدو موحشة ، ولا تبدو برومانسية فكرة جاك بطل تيتانيك عن الموت دافئًا في سرير تلتف حوله أبناء وأسرة محبة . لكن يا صديقتي ، في لحظة الموت أظن الصحبة الوحيدة الحقيقية حينها تكون لملك الموت.
لأمي أربعة أبناء محبين ، لكنها ماتت بالعناية المركزة وحيدة ، لابن خالي –أخي الأصغر الحبيب- عائلة كبيرة محبة جدًا ، وأصدقاء ممتنون ، ولكن نال نفس النهاية .
لجدي وجدتي إحدى عشر من الأبناء  ، لم تكن لحظاتهم الأخيرة بصحبتهم أجمعين .
الموت هو الموت ، لا يوجد ميتة دافئة و أخرى باردة ، الفارق فيما قبلها ، أما مابعدها فهي رحمة الله وفضله إن شاء الله .
أما ما قبلها ، فإني بالطبع لم أشاهد لقاءات الراحل هيثم رحمه الله ، إلا أننى تابعت مقالات نورا ناجي المبهرة في تفاصيلها وإحساسها عن الكاتبات والوحدة .
كان هذا مرعبًا قليلًا ، لا أنكر ، لا أصنف نفسي كاتبة كما تعرفين ، أنا أحب الكتابة ، وأحيا بها . وجدت بعضًا مني في كل مقال ، في كل شخصية .
حتى مي زيادة التي لا تروقني ، وجدتني أشفق عليها .
حتمًا لنورا اليد العليا في هذا الإحساس ، في تقديمها هذا المزيج من الحياة الإنسانية ، والمشاعر بالقدر الذي يحفز الإنسانية بداخلك فوق كل رفض .
لكن أربكتني ، جعلتني أتساءل حول ماهية الوحدة التي أشتهيها ، والتي جعلتها جزء أصيل من حياتي ، وبين الوحدة الكريهة المؤلمة ، التي تحطم الروح ، وتحبسها داخل قفص شفاف ، لا يري النور حقًا، ولا يعيش في ظلام حقيقي .
اعتدت أن يقولبني من حولي – لا بأس-  ، حتى يستطيعوا التعامل معي ، ورغم إدراكي الكامل أنني لا أنتمي لهذا القالب ، كنت أصمت ، وأحاول بناء جسر من التواصل يسمح بالمودة ، و يمنع الالتحام ، أحب أن أبقى على مسافة تسمح بالرؤية ،وتحمي الحدود المشتركة قدر الإمكان .
هذا جزء أصيل من وحدتي ، معرفتي أنه لا أحد  - تقريبًا -يراني حقًا كما أنا ، ويجعلني جزئيًا أتسائل ، هل تصبح المودة حقيقية وصادقة عندما يدركوا أني لا املأ ذلك القالب تمامًا ؟ يلقبني بعض أحبتي بالملاك ، وحتمًا لست ملاكًا ، فهل يظل الحب عندما يدركوا نقيصتي؟
فقد الأحبة مرعب يا سارة ، كطائر الرخ ينهش قلبي طوال النهار ، لينمو ليلًا ، ليعاود تمزيقه الصبح . هذا هو الفقد بالنسبة لي .
يمكنني أن أعيش وحيدة ، وأعرف كيف أسعد نفسي وحدي ، جربت ذلك .
أجيد ضخ الحيوية في كل ركن ، تهذيبه من الوحشة ومنحه قبلات الحياة ، لأصنع بيت دافيء.
لكن حتمًا هذا لا يعني استغنائي عن حب أحبتي لي ، لا يعني أني لا أود أن أنعم بنزهة لطيفة على البحر مع أصدقائي ، و لا أني لا أحتاج اخوتي حولي ، ولا حتى أني قد أقايض بضع ساعات مع أبناء إخوتي بملء الأرض كتب . – بالطبع تعرفين حجم الإغراء !
لن تمنحنا الحياة كل الفرص التي نريدها ، ولا كل السعادة التي نتمناها . مجبرين على مفاضلات ، ومفاوضات ومساومات لننال بعض ما نحبه ، في مقابل تنازل عن حب آخر ، أو قبول ما نكره وننفر منه .
و قد  اخترت قدر الوحدة المناسب لي ، مع تبعاته من الاتهامات المختلفة ، بكل الحب .
ويبدو أن شجرتي المرعبة ، عمادها الفقد ، و معول هدمها هو الحب على كل علاته .

مودتي 

ريم  


0 Responses to "إلى سارة ..عن الخوف والوحدة ..والفقد .":